حيدر حب الله
346
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
ما كالتشريع « 1 » . وإذا فهمنا أن مصطلحي الصريح والظاهر هما مصطلحان يرادفان - في عالم الدلالة عند علماء المسلمين - اليقين والظن ، صار بالإمكان - وفقا للأسس المعرفية ذاتها - تبرير التمييز بينهما ، ومن ثم الإقرار بأن شطرا من الدلالات القرآنية يمكن الأخذ به والعمل وفقه ، فيما يلزم للأخذ بالشطر الآخر الحصول على مجوّز ما بدليل معيّن . إن تشطير دلالات النص القرآني واقع لا مفرّ منه ، وفقا للبناءات الأصولية وغيرها . لقد كان المفترض بالوحيد البهبهاني - وهو يشيد البناء العقلاني لمرجعية النص القرآني ويتقدّم خطوة إلى الإمام في المنهجة والمداخل . . - أن يحلّل بناء النص القرآني وبناء النص الروائي ليتأكّد من أن البنائين لا يمتازان عن بعضهما ، وأن محاولات التمييز مجرّد احتمالات لا يقبلها العقل ولا المنحى العقلاني ، ليتفرّغ - بعد ذلك - للردّ على نصوص الأخباريين الروائية ، ولربما نجح الوحيد حينها في قلب المعادلة بإثارة زوبعة تثير الغبار حول دلالات النص الروائي ؛ انطلاقا من معطيات ليست مجال بحثنا ، ولا ندّعي أنّها تعطل تماما الأخذ بمثل هذا النص ، لقد حاول الوحيد - مثلا - أن يجرّ النار التي أشعلها الأخباري في النص القرآني إلى نصّ السنّة ليستخدم منهجا جدليا نقديا ، عبر القول بأن نص السنّة كذلك لا تعرف الشواهد والقرائن التي كانت حافّة به لحظة صدوره « 2 » ، ولو أنه حاول نقل النار ضمن الحدّ الممكن بدل تسريتها إلى الطرف الآخر لربما نجّى النص القرآني ، وفق منهج برهاني لا جدلي . وعلى أيّة حال ، فقد حاولنا رصد تجربة الوحيد لنتأكّد من حصول تحوّل في مسار الموضوع ، وأخذه طابعا أكثر عقلانية على صعيد المعالجات ، بل وطابعا يجمع أحيانا بين الجدلية والبرهانية عند قراءة بنية النص ، وسوف نلاحظ أن الاتجاه الأصولي بعد ذلك أصبح يرى النص القرآني داخلا في مجال القاعدة العامّة للدلالة والاستعمال والفهم اللغوي ، وأن مهمّة الأصولي ليست تقديم شهادة تشرعن الاعتماد على هذا النص ، بل ردّ وتزييف ما يحاول التشكيك في بنية النص نفسه ، فقد غدا الأصوليون يقصرون جهودهم على الردّ على الأخباريين ، أما أساس نظريّتهم في النص القرآني فهم يدمجونها في نظريتهم العامة في الدلالات عموما ، ليوحوا بذلك إلى وحدة البناءات النصيّة عقلانيا ، بلا فرق بين نصّ وآخر .
--> ( 1 ) - التفرقة هذه بين اليقين والظن تجدها في عامّة الكتب الأصولية ، وسيأتي التعرّض لها في الفصل الخامس ، إن شاء اللّه . ( 2 ) - البهبهاني ، الفوائد الحائرية : 285 - 286 .